أحمد بن علي القلقشندي

297

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

إلَّا ( 1 ) ولا ذمّة ، وحملها فحمّلنا من أذاها غمّة ، ومزّق قشيب أثوابها ، وحكَّم مخالبه الحديدة في إهابها ، فعظم مصاب من حوت داري بمصابها . فلما وصلت رأيتها باكية ذات قلب مريض ، وجناح مهيض ، فسلَّيتها بأنّ المصائب تلقّاها الأبرار ، وترفّقت بها إلى أن رقأت تلك الأدمع الغزار ، وأوردت : « إنّ جرح العجماء جبار » ( 2 ) ؛ وقلت : إيها لك وآها ، لقد ارتكبت خطَّة ما أليقها بعذرك وأولاها ! ! ، « فلقد أنصف القارة من راماها » ( 3 ) ثم آليت أليّة برّة ، لأوطئنّه من الوثاق جمرة ، ولأقتصّنّ بهذه المرّة تلك المرّة ؛ وأتيته بسلسلة تنبو أنيابه عن عجمها ، ولا تثبت شياطين مكره برجمها ؛ قد أبدع قينها الصّنعة بإحكامها ، وأتى بالعجب في نظامها ، فللَّه هو ممن تحكَّم فيما يقطع الجلمد ، فجعله من اللَّطافة يحلّ ويعقد ؛ فاستودعت عنقه منها أمينا لا يخفر وثيق ذمّته ، ولا تتطرّق الأوهام إلى تهمته ، مستحكم القوّة في الشّد ، فتغيّظ تغيّظ الأسير على القدّ ( 4 ) ، ونظر إليّ بطرف حديد ، وتذلَّل بعد بأس شديد ، وبصبص ( 5 ) بذنبه فقلت : « أمكرا وأنت في الحديد » ( 6 ) . فلمّا أيس من الخلاص ، تلوت : * ( ولاتَ حِينَ مَناصٍ ) * ( 7 ) .

--> ( 1 ) الإلّ : العهد والذمّة . ( 2 ) أي إذا انفلتت البهيمة العجماء وأصابت في انفلاتها إنسانا أو شيئا فجرحها هدر ، أي لا دية فيه . ( 3 ) يضرب مثلا لمساواة الرجل صاحبه فيما يدعوه إليه . والقارة : قبيلة من الهون بن خزيمة . ( جمهرة الأمثال : 1 / 55 ) . ( 4 ) القدّ ( بكسر القاف ) هو السّوط . ( 5 ) أي حرّكه . ( 6 ) يضرب للرجل يحتال وهو أسير ممنوع . والمثل لعبد الملك بن مروان ، قاله لعمرو بن سعيد الأشدق . وكان عمرو قد خلع عبد الملك وأراد الأمر لنفسه ، ثم اقتيد إلى عبد الملك مأسورا . ولما أراد قتله قال له : يا أمير المؤمنين ، إن رأيت ألا تفضحني بأن تخرجني إلى الناس فتقتلني بحضرتهم ! وأراد عمرو أن يخالفه ، فيخرجه فيمنعه أصحابه ؛ ففطن عبد الملك لذلك وقال : « يا أبا أمية ، أمكرا وأنت في الحديد ! » . ( جمهرة الأمثال : 1 / 24 والميداني : 2 / 309 ) . ( 7 ) ص / 3 .